الجمعة 06/11/2026
عاجل
إعلان
cob
الرئيسية مقالات الرأي قابيل وهابيل مابين صراع الحقد والرضا
مقالات الرأي

قابيل وهابيل مابين صراع الحقد والرضا

المدير العام 30 أغسطس 2026 11:35 46 مشاهدة
قابيل وهابيل مابين صراع الحقد والرضا

بقلم صفاء بدر الدين.

تبدأ المأساة حين تتحول النعمة في عين صاحبها إلى شيء مألوف حيث وقع في فخ "ائتلاف النعم فالشيطان لم يأتِ له بصورة الشر القبيح، بل أتاه من باب "المقارنة".
بين مزارع قابيل ومرعى هابيل، لم تكن الأرض هي الساحة الحقيقية للصراع، بل كانت "النفس البشرية". بدأت الحكاية بقرار إلهي لترتيب شؤون الحياة، وانتهت بصرخة ندم هزت أركان الوجود
. في لحظة الاختبار، تجلى الفرق بين "الرضا" و"الحقد". قدم هابيل أفضل ما يملك (أفضل غنمه) بروحٍ ملؤها الإخلاص، بينما قدم قابيل "محصولاً رديئاً". وهنا يكمن جوهر الغيرة؛ وليس الطموح كما يظن الانسان نفسه فحين قُبل قربان هابيل ورُدَّ قربان قابيل، لم يراجع قابيل تقصيره، بل صبَّ غضبه على الناجح. هذا هو "الاستحقاق الزائف وانعدام البصيرة التي تجعل الإنسان يظن أنه طموح ويستحق الأفضل دون أن يبذل مجهود لتقويم نفسه ولتغيير أفكاره التي تعيق نجاحاته، ويحول "اللامنطقية" إلى منهج، فيرى في نجاح أخيه تهديداً لوجوده هنا تظهر
ان مأساة الإنسان لا تكمن في القدر, بل في الاختيار .فالله عز وجل لم يخلقنا قوالب جامدة، بل منحنا نفساً قابلة للتشكيل: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. هنا تكمن المعركة الحقيقية؛ فبذل المجهود لتقويم النفس هو "التزكية"، وتركها لغرائز الحقد والغيرة هو "التدسية" في قصة قابيل كان بإمكانه أن يزكي نفسه بالاعتراف بتقصيره في القربان، فيرتفع لمقام أخيه بالجهد لا بالقتل. ولكنه دسى فطرته السليمة تحت ركام الغيرة.
ليس كل ما تستغني عنه ستجد أفضل منه.
قابيل استغنى عن أخيه، عن أمان أسرته، وعن رضى ربه، ظناً منه أن "الخلاص" في التخلص من هابيل لإتاحة الفرص امامه
ولكن لم يجد قابيل بعد قتله لأخيه الحياة الأفضل التي توهمها، بل وجد الشتات والندم. لقد حصل على الساحة خالية له، لكنه اكتشف أنه غير جدير بالحفاظ عليها؛ فمن لم يحفظ حق الأخوة، لن تحفظه الأرض التي سواها بدم أخيه.
الرضا ليس انعداماً للطموح ولا استسلام، بل هو نقاء الروح. هابيل كان طموحه أن يُقبل عمله عند الله، ولم يكن طموحه الاستحواذ على ما في يد أخيه. الرضا هو الحصن الذي يمنع الشيطان من اللعب بورقة المقارنات. الراضي يرى نعمته حقيقية ولا يبحث عن بدائل وهمية تأمره بتغيير فضل الله عليه.

في كل بقعة من بقاع العالم اليوم، ثمة قابيل يراقب خفية، وثمة هابيل يقتات على الرضا. الصراع لم يتوقف، بل تغيرت أدواته؛ لم يعد الحجر هو الأداة، بل أصبحت المقارنة هي النصل الذي يذبح الطمأنينة.
يدخل الشيطان من أوسع أبواب النفس البشرية باب الاستحقاق الزائف يوهم قابيل المعاصر بأن نجاح زميله، أو سعادة جاره، أو استقرار أخيه، هو حق كان يجب أن يكون له.
هنا يبدأ الشيطان في نسج خططه، فيصور للمرء أن النعم التي بين يديه (الزوجة، الأبناء، المنزل الآمن) ليست إلا قيوداً تمنعه من الوصول لما هو "أفضل". إنها "اللامنطقية" التي ذكرتِها؛ كيف يرى الإنسان في نعمته سِجناً، وفي نعمة غيره خلاصاً؟
المقارنة هي المحرك الأساسي لهذا الصراع. الراضي (هابيل) يرى العالم من زاوية الفطرة السليمة يعلم أن الأرزاق ليست كعكة يقتسمها البشر، بل هي عطاء لا ينقص بنصيب الآخر, أما قابيل المعاصر، فمصاب بـقصر النظر؛ يظن أنه إذا انطفأت شمعة جاره، سيزداد ضوء شمعته. هذا الانفعال الزائد والغيرة السوداء هي التي تحول "الرغبة في التطور إلى رغبة في الاستيلاء على حق الغير.

إن العبرة لم تكن يوماً في من غلب، بل في من نام وقرّت عينه بما أوتي. فالحياة ليست سباقاً للاستحواذ على ما في أيدي الآخرين، بل هي محاولة للحفاظ على 'الفطرة السليمة' وسط غابة من المقارنات. فقبل أن ترفع يدك لتأخذ حق غيرك، انظر إلى ما في يدك.. فربما أنت تملك 'الجنة' التي يفتقدها العالم، لكنك فقط.. لا ترى

شارك: